مدار (نواكشوط) - بعد 19 شهرا على تسمية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الوزير السابق موسى فال منسقا للحوار الوطني الشامل، لم يُعلَن حتى السبت 17 أكتوبر 2026 أي موعد لانطلاق جلساته. وفي الأثناء، سمّت الأغلبية الجمعة ممثليها في لجنة الإشراف على الحوار، فردّ حزب جبهة المواطنة والعدالة "جمع" بتجميد عضويته في ائتلافها.
والحوار المرتقب هو المحطة الثامنة من نوعها خلال ربع قرن. فمنذ 2005، عرفت موريتانيا سبع محطات كبرى للحوار والتشاور السياسي، ارتبطت كل منها برئيس، وانتهت إلى مصائر متباينة: استفتاءات وتعديلات دستورية، أو اتفاقات انتخابية، أو تعليق بلا عودة.
الحوار الحالي: 19 شهرا من التحضير
في مارس 2025، أعلن الغزواني إطلاق حوار سياسي وكلّف موسى فال بتنسيقه، ووصفه بأنه "امتداد واستمرار" لتشاور 2022. وقال فال في أكتوبر 2025 إن المرحلة التمهيدية شملت 20 حزبا معترفا به و50 حزبا قيد الترخيص و240 شخصية مستقلة ونحو 1500 مواطن، وإن حزب AJD/MR والنائب بيرام الداه اعبيد وحدهما قاطعاها.
وفي 6 يناير 2026، استقبل الرئيس شخصيات معارضة، وقال إنه "سيغادر الحكم غداً أو بعد غد"، وإن الحوار يناقش ملفات تتعلق بمصالح البلاد ومستقبلها، وفق ما نقلته صحيفة "الشرق الأوسط". غير أن المسار تعثر في 30 مارس 2026، حين علّق المنسق الاجتماع بعد خلاف على بند اقترحته الأغلبية بعنوان "المدد والمأموريات"، وطلبت المعارضة حذفه.
واستمر الجمود حتى 14 يوليو 2026، حين وقّعت الأطراف الوثيقة المرجعية للحوار بعد حذف ذلك البند. ووقّعها عن الأغلبية رئيس حزب الإنصاف محمد ولد بلال مسعود، وعن مؤسسة المعارضة حمادي ولد سيدي المختار، وعن ائتلاف المعارضة الديمقراطية محمد ولد مولود، وعن تكتل القوى الديمقراطية إبراهيم ولد ابيهي. وتسلم الغزواني الوثيقة في 24 يوليو، ثم كلّف فال في 25 أغسطس برئاسة لجنة الإشراف.
وفي 3 سبتمبر، اتفقت الأطراف على لجنة إشراف من 20 عضوا: 7 للأغلبية و7 للمعارضة و6 للمجتمع المدني والمستقلين، على أن تُسلَّم الأسماء قبل 30 سبتمبر. لكن الأغلبية أجّلت حسم ممثليها في اليوم نفسه، ثم منحت نفسها "وقتا إضافيا" في 2 أكتوبر.
وفي 14 أكتوبر، قال الناطق باسم الحكومة بالنيابة محمد ماء العينين ولد أييه إن "الانتقال إلى مراحله العملية بات يتطلب من الأحزاب والقوى السياسية استكمال الترتيبات اللازمة لتنظيمه". وبعد يومين، أعلنت منسقية الأغلبية ممثليها، وعلى رأسهم ولد بلال نائبا لرئيس اللجنة، معتمدة معيار عدد النواب ثم عدد المستشارين البلديين. فرفض حزب "جمع" التشكيلة، وقال رئيسه محمد جميل ولد منصور لقناة "صحراء 24" إنه فوجئ بالأسماء في مجموعة على واتساب.
وخارج المسار، يقاطع الحوارَ بيرام الداه اعبيد، الذي دعا المعارضة في سبتمبر إلى الانسحاب منه خشية أن يتحول إلى "واجهة شكلية"، وحزبُ AJD/MR، وتحالفُ قوى الإنقاذ الذي أعلن مقاطعته في يوليو بسبب "ضيق الوقت المتبقي من عمر المأمورية". أما الرئيس فقال في أطار في 20 سبتمبر إن الحوار لا يستهدف "المساس بأسس الدولة"، ويجب أن يكون "بعيدا عن أي محظورات أو إملاءات".
ربع قرن من الحوارات
في عهد معاوية ولد سيد أحمد الطايع، دعا حزب اتحاد قوى التقدم المعارض في يوليو 2002 إلى حوار وطني بين الحكومة والمعارضة، والتقى رئيسه محمد ولد مولود بالرئيس الطايع، فيما تحفظت بقية أحزاب المعارضة على المبادرة، وفق أرشيف الجزيرة نت. وانتهى ذلك العهد بانقلاب 3 أغسطس 2005. وفي أكتوبر من العام نفسه، نظم المجلس العسكري بقيادة اعلي ولد محمد فال "الأيام الوطنية للتشاور"، التي أفضت إلى استفتاء يونيو 2006: أُقرّ بنحو 97%، وحدّد المأمورية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
وفي نوفمبر 2007، نظم الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله أياما تشاورية حول الإرث الإنساني وعودة اللاجئين، تلتها عودة آلاف اللاجئين من السنغال، قبل أن يطيح به انقلاب 6 أغسطس 2008. وأنهى اتفاق داكار، الموقع مطلع يونيو 2009 بوساطة الرئيس السنغالي عبد الله واد، أزمة الانقلاب بحكومة وحدة وطنية ورئاسيات 18 يوليو 2009.
وفي عهد محمد ولد عبد العزيز، جمع حوار سبتمبر وأكتوبر 2011 الأغلبيةَ وأربعة أحزاب من منسقية المعارضة الديمقراطية، وقاطعته بقية المنسقية. وأسفر عن تعديلات دستورية مطلع 2012 جرّمت الانقلابات وأنشأت لجنة مستقلة للانتخابات. ثم فشلت محاولات الحوار مع منتدى المعارضة قبل رئاسيات 2014 فقاطعها، وتعثر لقاء تمهيدي آخر في أبريل 2018.
وبين 29 سبتمبر و21 أكتوبر 2016، انعقد "الحوار الوطني الشامل" الثاني بمقاطعة المنتدى وتكتل القوى الديمقراطية. وأوصى بإلغاء مجلس الشيوخ وتغيير العلم والنشيد، مع التأكيد على عدم المساس بالمأموريات. فأسقط مجلس الشيوخ التعديلات في 17 مارس 2017 بـ33 صوتا مقابل 20، لتُمرَّر باستفتاء 5 أغسطس 2017، وظلت محل طعن سياسي.
وفي عهد الغزواني، عُلّق التشاور الوطني الذي أشرف عليه يحيى ولد أحمد الوقف في 2 يونيو 2022 عشية افتتاح ورشاته، ولم يُستأنف. غير أن اتفاقا وقعته 24 من أصل 25 حزبا مع وزارة الداخلية في 26 سبتمبر 2022 مهّد لانتخابات 13 مايو 2023.
ماذا تقول الأرقام؟
سبع محطات كبرى منذ 2005، تفصل بينها 4 سنوات ثم سنتان ثم 5 ثم 6 ثم 3 سنوات. نُفّذ بعضها عبر استفتاءات وتعديلات، وأفضى بعضها إلى اتفاقات انتخابية، وانتهى آخر بالتعليق. وتتكرر عبرها ثلاث سمات: مقاطعة جزء من المعارضة، وحضور سؤال المأموريات من استفتاء 2006 إلى بند "المدد والمأموريات" في 2026، وفجوة بين الإعلان عن الحوار وانطلاقه الفعلي.
ويبقى الحوار الحالي، بعد 16 شهرا من التحضير بحسب منسقه وستة تأجيلات وتعثرات موثقة، معلقا على تشكيل لجنة إشرافه، وعلى قرار رئاسي بموعد انطلاقه.




