لم تعد شبكات المخدرات في موريتانيا تعتمد مساراً واحداً أو وسيلة ثابتة في نقل وترويج المخدرات، إذ تكشف العمليات الأمنية المتلاحقة عن أساليب متنوعة للتهريب، تمتد من الزوارق والمسارات البحرية إلى الشاحنات والسيارات وحافلات النقل، وصولاً إلى استغلال واجهة العمل الخيري لتفادي الشبهات.
فخلال الأيام الثمانية عشر الأولى من أغسطس الجاري، أعلنت أجهزة الأمن والدرك عن ضبط 756.736 كيلوغراماً على الأقل من المخدرات، إلى جانب آلاف الأقراص المخدرة وكميات من الكوكايين، في عمليات متفرقة امتدت جغرافياً من نواذيبو وباسكنو وأكجوجت إلى ازويرات وسيليبابي وول ينج، مروراً بنواكشوط.
وتكشف تفاصيل هذه العمليات عن اتساع نطاق المواجهة الأمنية مع شبكات تنشط في التهريب والاستيراد والنقل والتخزين والتوزيع والترويج، فيما تبرز بعض الضبطيات أساليب لافتة في إخفاء الشحنات وتمويه وسائل نقلها.
وكان من أبرز هذه الأساليب ما كشفت عنه عملية للدرك الوطني في أكجوجت يوم 13 أغسطس، حيث تمكنت كتيبة أكجوجت، بالتنسيق مع كتيبة نواكشوط رقم 1 ومجموعة الرد السريع والمراقبة والتدخل رقم 1، من تفكيك شبكة تنشط في تهريب ونقل وتوزيع المخدرات.
وأسفرت العملية عن ضبط 77.055 كيلوغراما من صمغ الكانابيس المصنع، المعروف بالحجر الأسود، وتوقيف عشرة أشخاص يشتبه في ارتباطهم بالشبكة.
لكن اللافت في القضية كان وسيلة النقل؛ إذ أظهرت التحريات، وفق الدرك الوطني، أن السيارة المستخدمة في نقل الشحنة كانت تحمل شعارات جمعية خيرية تعنى بالأيتام والأسر المحتاجة، واستُخدمت كغطاء لتسهيل عملية النقل وتفادي إثارة الشبهات.
ولم تكن هذه العملية سوى واحدة من سلسلة ضبطيات كبيرة سجلتها الأجهزة الأمنية خلال الفترة نفسها.
756 كيلوغراماً في 18 يوماً
أكبر الكميات المعلنة خلال هذه الفترة جاءت في عمليات للشرطة والدرك، أبرزها ضبط 230 كيلوغراماً من صمغ الحشيش في باسكنو يوم 10 أغسطس، كانت مخبأة بإحكام داخل مقطورة شاحنة.
وأعلنت الشرطة توقيف ستة مشتبه بهم، بينهم أجانب ومواطنون، إضافة إلى حجز الشاحنة وسيارتي دفع رباعي كانتا تستخدمان في عمليات التهريب.
وقبلها بثلاثة أيام، وفي نواذيبو، فككت الشرطة شبكة تنشط في تهريب وترويج المخدرات، وأوقفت سبعة مشتبه بهم، وضبطت 210 كيلوغرامات من صمغ الحشيش.
كما حجزت ثمانية زوارق كانت تستخدم في عمليات التهريب، إلى جانب سيارة رباعية الدفع من نوع تويوتا هيلكس.
وبذلك بلغت الكمية المضبوطة في عمليتي باسكنو ونواذيبو وحدهما 440 كيلوغراماً، بينما تكشف الوسائل المحجوزة عن اعتماد الشبكات على مسارات برية وبحرية متوازية.
شحنات غذائية لإخفاء المخدرات
وفي حصيلة أسبوعية أخرى، أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني تفكيك شبكة إجرامية تنشط في تهريب المخدرات، وتوقيف ومتابعة ثلاثة مشتبه بهم.
وضبطت العملية 202 كيلوغرامات من حشيش القنب المخدر كانت مخبأة بإحكام داخل شحنات من المواد الغذائية قادمة من إحدى دول الجوار.
وتكشف هذه العملية عن أسلوب آخر في التمويه، يقوم على إخفاء المخدرات وسط سلع ومواد تبدو في ظاهرها عادية، بما يصعّب اكتشافها أثناء عمليات النقل.
وفي 11 أغسطس، قادت قضية تتعلق بسرقة مبالغ مالية من حسابات مصرفية إلى الكشف عن شبكة تنشط في بيع وترويج واستعمال المخدرات والمؤثرات العقلية بمدينة نواذيبو.
وبعد تتبع حركة الحساب المالي لأحد أفراد العصابة، تمكنت الفرقة الخاصة لمكافحة الجريمة السيبرانية من تحديد أفراد الشبكة، قبل مداهمة إحدى الشقق بمشاركة مجموعة الوجار وكتيبة الدرك الوطني بنواذيبو.
وأسفرت العملية عن توقيف ستة أشخاص في حالة تلبس، وضبط 13.16 غراماً من الكوكايين، و7 صفائح من الحجر المصنع، و34 قرصاً من الإكستازي، إضافة إلى مبالغ مالية وعدد من الهواتف.
وفي اليوم التالي، أعلنت كتيبة الدرك الوطني بنواذيبو تفكيك شبكة تنشط في بيع وتوزيع المخدرات، وتوقيف رئيسها وأحد معاونيه، مع ضبط 6.181 كيلوغراماً من المخدرات.
الإكستازي والحجر الأسود
وفي أكجوجت أيضاً، نفذت كتيبة الدرك الوطني يوم 10 أغسطس، بالتنسيق مع كتيبة نواكشوط رقم 1، عملية أمنية أسفرت عن تفكيك شبكة تنشط في بيع وتوزيع المخدرات والمؤثرات العقلية.
وتم خلال العملية حجز 1246 قرصاً من الإكستازي، إضافة إلى كمية معتبرة من صمغ القنب الهندي «الحجر الأسود»، دون أن يحدد البيان الرسمي وزنها.
كوكايين عالي النقاء وآلاف الأقراص
وفي 3 أغسطس، تمكنت كتيبة ازويرات، ممثلة في فرقتي ازويرات وأفديرك، وبالتنسيق مع فرقة البحوث القضائية بكتيبة نواكشوط رقم 1، من تفكيك شبكة تنشط في استيراد وتوزيع المخدرات والمؤثرات العقلية.
وأوقفت العملية سبعة أشخاص، بينهم المزود الرئيسي وعدد من الموزعين، وضبطت 7.5 كيلوغرامات من الحجر الأسود، و1.349 كيلوغراماً من الكوكايين عالي النقاء، و3200 قرص من المؤثرات العقلية، بينها البريغابالين والإكستازي.
كما تم حجز مبلغ يقارب 14 مليون أوقية قديمة وجهاز اتصال عبر الأقمار الصناعية من نوع الثريا.
وأشارت المعطيات الأولية إلى أن كمية الكوكايين كانت معدة للخلط بمواد أخرى قبل ترويجها، بما يسمح بمضاعفة الكمية التي يمكن طرحها في السوق.
من الشمال إلى الجنوب
وفي الجنوب، ضبطت دورية متنقلة تابعة لكتيبة سيليبابي يوم 10 أغسطس حوالي 10 كيلوغرامات من القنب الهندي بحوزة أحد ركاب حافلة للنقل العمومي على المحور الرابط بين سيليبابي وامبود.
وقبل ذلك، وتحديداً في فاتح أغسطس، تمكنت فرقة الدرك الوطني بول ينج، التابعة لكتيبة سيليبابي، من ضبط حوالي 5 كيلوغرامات من القنب الهندي بحوزة مواطن موريتاني، بعد متابعة ميدانية وجمع معلومات متطابقة.
9 كيلوغرامات أخرى وشبكة للخمور
وفي عملية أخرى، أعلنت الشرطة تفكيك شبكة تنشط في تهريب وترويج المخدرات والخمور، وأوقفت 11 مشتبهاً بهم، بينهم مواطنون وأجانب.
وأسفرت العملية عن ضبط 9 كيلوغرامات من حشيش القنب المخدر، إضافة إلى الكشف عن ورشة لإنتاج وتعليب الخمور.
كما حُجزت كميات من الخمور والبيرة، و600 غرام من الخميرة، ودراجتان ناريتان كانتا تستخدمان في توزيع الخمور.
أكثر من 4480 قرصاً
ولا تقتصر الحصيلة على المخدرات المحسوبة بالكيلوغرامات فبحسب الأرقام الواردة في البيانات الرسمية، تم ضبط ما لا يقل عن 4480 قرصاً من الإكستازي والمؤثرات العقلية خلال العمليات التي حددت عدد الأقراص المحجوزة، بينها 3200 قرص في ازويرات، و1246 في أكجوجت، و34 في نواذيبو.
كما بلغ مجموع الكوكايين الذي حددت الجهات الأمنية وزنه نحو 1.362 كيلوغراماً، معظمها الكمية المضبوطة في ازويرات، إضافة إلى 13.16 غراماً في نواذيبو.
وبجمع الكميات التي أعلنت الجهات الأمنية عن أوزانها، تصل المحجوزات خلال الأيام الثمانية عشر الأولى من أغسطس إلى 756.736 كيلوغراماً على الأقل.
ولا يشمل هذا الرقم كميات أخرى لم تحدد الجهات الرسمية وزنها، ما يعني أن إجمالي المخدرات المضبوطة فعلياً خلال الفترة قد يكون أعلى.
وتكشف هذه الحصيلة عن تنوع لافت في وسائل وأساليب التهريب ففي نواذيبو، استخدمت الشبكات الزوارق، وفي باسكنو أخفيت الشحنة داخل مقطورة شاحنة، وفي عملية أخرى أخفيت المخدرات داخل شحنات من المواد الغذائية.
كما استخدمت السيارات رباعية الدفع وحافلات النقل العمومي في عمليات مختلفة، بينما لجأت إحدى الشبكات في أكجوجت إلى سيارة تحمل شعارات جمعية خيرية لنقل المخدرات بعيداً عن الشبهات.
وفي ازويرات، ضبط جهاز اتصال عبر الأقمار الصناعية، بما يعكس اعتماد بعض الشبكات على وسائل اتصال متقدمة لتنسيق نشاطها.
وتشير هذه التفاصيل إلى أن شبكات المخدرات تتحرك عبر مسارات بحرية وبرية متعددة، وتستفيد من وسائل نقل وواجهات مختلفة، في محاولة للإفلات من الرقابة والوصول إلى الأسواق الداخلية.
وخلال 18 يوماً فقط، تجاوزت الكميات المعلنة ثلاثة أرباع الطن، فيما امتدت العمليات من نواذيبو وباسكنو شمالاً وشرقاً، إلى أكجوجت وازويرات ونواكشوط، وصولاً إلى سيليبابي وبول ينج جنوباً، فضلاً عن شحنات قادمة من دول الجوار.
ورغم ضخامة هذه المحجوزات وتواتر العمليات الأمنية واتساع رقعتها الجغرافية، تظل الأسئلة الأكبر معلقة حول الرؤوس التي تقف خلف هذه الشبكات، ومصادر تمويلها، ومسارات إدخال لمخدرات إلى البلاد خصوصا في ظل انتشارها بشكل كبير داخل الأوساط الشبابية والتعليمية.





