سطّر فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني ببرنامجه الانتخابي للعهدة الرئاسية الثانية "التزامًا" بتنظيم منتدى لممثلي الجاليات الموريتانية بالخارج، تساوُقًا مع "طموحه" لاستفادة كل الموريتانيين، سواء كانوا مقيمين أو مهاجرين، من المشروع التنموي الذي كلفه الموريتانيون -انتخابًا- بتجسيده.
ووفاءً بالالتزام المنوه عنه، عكفت الوزارة المكلفة بالموريتانيين بالخارج على "تحضير تشاركي" للمنتدى شكلًا ومضمونًا، فتمت لقاءات مباشرة بالعديد من ممثلي الجاليات بأماكن إقامتهم، كما وفرت الوسائط الرقمية متاحات للتواصل واستقبال آراء المهاجرين بخصوص المنتدى. ولعلها هنا سانحة كي أهنئ وزارة الشؤون الخارجية على الجهد المبذول في تنظيم تشاركي أمثل لهذه التظاهرة التأسيسية، إذ هي الأولى من نوعها، ومفهومٌ أن لكل تأسيس صعوبات وتحديات وهوامش ملاحظات معذورة.
وستدوم أعمال المنتدى أيام 29 و30 و31 أكتوبر الجاري، وستكون مناسبة لتدارس أنجع السبل للرفع من مكانة الجاليات ببلدان إقامتهم ومزيد ربطهم وارتباطهم بالوطن، وستقدم لا شك أوراق تعرض تجارب مقارَنة لحكامة جاليات لدول مماثلة لبلادنا، كما ستكون "مكونة لقاء خبراء المهجر" مناسبة لاستكشاف الكفاءات العلمية المقيمة بالخارج ولمزيد التعارف فيما بينها.
واضطلاعًا بالدور المطلوب من الدبلوماسي عمومًا و"الدبلوماسي الممارِس" خصوصًا في "تصنيع الرأي" والتفاعل مع كل ما يتعلق بمجالات صلاحياته وفق "سُقُف القوانين والتقاليد الحسنة"، سأحاول خلال هذه الأحرف إبراز معالم المنجَز لفائدة الموريتانيين بالخارج خلال السنوات الأخيرة (أولًا)، واستشراف ملامح المنتظَر من النسخة الأولى لمنتدى الموريتانيين بالخارج (ثانيًا).
أولًا: أبرز معالم المنجَز لفائدة الموريتانيين بالخارج خلال السنوات الأخيرة
1- استقرار مأسسة إدارة ملف الموريتانيين: شهدت السنوات الماضية من قيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني استقرارًا لمأسسة أهمية العناية بالموريتانيين بالخارج، من خلال ثبات "الموريتانيين بالخارج" ضمن التسمية الرسمية للقطاع، والعهد بها طورًا إلى وزارة منتدبة وأحيانًا إلى مديرية عامة. وهذا الثبات ضمن التسمية الرسمية إشارة وبشارة إلى العناية التي تولى للموريتانيين بالخارج، وهو أمر موفق خصوصًا عند الاطلاع على العدد الإجمالي التقريبي للموريتانيين بالخارج، والذي يناهز 10% من العدد الإجمالي للسكان، وأكيد أن أغلبهم من القوى العاملة المُدرة للتحويلات النقدية للوطن.
2- تقنين ازدواجية الجنسية: وهو مكسب كبير للجاليات بالخارج وللبلد الذي كاد أن يفقد الصلة ببعض مواطنيه وأبنائه لمجرد أنهم استحقوا الحصول على جنسية بلدان أخرى، وهو ما ينبغي اعتباره إضافة ساعدت دولًا عديدة في تسريع نموذجها التنموي.
3- رقمنة استصدار الوثائق المدنية: وأعتقد أن هذا مكسب كبير للجاليات، وخصوصًا منصة "هُوّيتي" التي يسّرت ووفرت الوقت والمال للمقيمين بالخارج، وأشاد بها العديد من الأجانب الذين يغارون منها، وبوّأت البلد "سبقًا رقمانيًّا" على العديد من بلدان المنطقة.
4- "اليقظة الحكيمة" والاستجابة السريعة للمقيمين بمناطق النزاعات المسلحة: تميزت السنوات الماضية بما يمكن أن أسميه "اليقظة الحكيمة" تجاه المواطنين الموريتانيين بدول ومناطق تستجد أو تستفحل بها نزاعات مسلحة، وهي يقظة تتدخل بسرعة لفائدة المواطنين حمايةً وإنقاذًا أو ترحيلًا للوطن عند الاقتضاء، وهي حكيمة لأنها تتجنب الشعبوية وتدعو المواطنين إلى اجتناب مناطق التوتر، وتتفهم الظروف الاستثنائية التي تمرُّ وتمُورُ بها بعض دول المنطقة.
5- توسيع "الخارطة الدبلوماسية والقنصلية" بالخارج: ويتجلى ذلك من خلال استحداث بعثات دبلوماسية وقنصلية تقريبًا للخِدْمات الدبلوماسية والقنصلية (استحداث سفارة بكندا، استحداث سفارة بكوريا الجنوبية، استحداث قنصلية عامة بالدار البيضاء...).
6- الاقتراع المباشر للنواب الممثلين للجاليات بالجمعية الوطنية: ولعل هذا أبرز المكاسب للجاليات بالخارج، فقد كان من قبل يتم انتخاب نواب يمثلونهم بشكل غير مباشر من خلال الجمعية الوطنية، وحدث مرات أن انتُخب نواب ممثلون للخارج لم يعرفوا للهجرة طعمًا، وربما لم يسافروا للخارج إلا لمأموريات رسمية قصيرة.
7- إرساء سُنة لقاء رئيس الجمهورية بممثلي الجاليات ضمن فعاليات كل زيارة لدولة يتواجد بها موريتانيون: سنّ الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سنة حسنة من خلال إرساء تقليد لقاء ممثلي الجاليات من برنامج الزيارات الرسمية لأي بلد يتواجد بها موريتانيون، وغالبًا ما تكون سانحة لتفريج كرب ولتسوية مظالم وللاستماع إلى هموم وهِمَم المقيمين بالخارج.
ثانيًا: بعض ملامح المنتظَر من منتدى الجاليات
الأمل معقود على المشاركين العارفين "بشِعاب شؤون الجاليات" في تشخيص دقيق واقتراح إجراءات جامعة بين الطموح وقابلية التنفيذ للرفع من شأن جالياتنا بالخارج، وأتوقع أن تتضمن خلاصات المنتدى:
1- اقتراح دراسة إمكانية زيادة عدد النواب الممثلين للجاليات بالجمعية الوطنية: ولأن الموريتانيين المقيمين بالخارج يقدرون بـ500.000، ولأن نواب الداخل يؤسس عددهم على قاعدة نائب لكل 30.000 نسمة، فأعتقد أنه من الوارد أن تكون قاعدة احتساب نواب الخارج مؤسسة على نائب لكل 60.000، ليغدو عدد نواب الخارج 8 أو 10، وهو ما سيجمع بين الإنصاف ومزيد إبلاغ هموم وهمم الموريتانيين القاطنين بالخارج.
2- إنشاء "مرصد وطني للجاليات": تتفاوت الدول التي تولي مواطنيها بالخارج العناية المستحَقّة من حيث نمط "الإطار التنظيمي"، وأتوقع أن يميل الاقتراح الراجح في هذا الإطار إلى طموح تقيده قابلية التنفيذ، متمثل في استحداث مرصد للجاليات بالخارج يضم شخصيات مرجعية مجمعًا على كفاءتها وتجربتها وأمانتها.
3- اقتراح إجراء استثنائي بمراجعة السجل السكاني لفائدة الجاليات الموريتانية بالخارج: رغم الجهود المحمودة التي بذلتها وكالة السجل السكاني والوثائق المؤمنة، فإن الحاجة ما زالت ماسة ببعض الجاليات لبعثات من الوكالة المنوه عنها لإحصاء بعض الموريتانيين الذين فاتتهم من قبل فرص الانتساب للسجل السكاني الوطني المؤمّن.
4- اقتراح آلية لتسريع افتتاح جامعة نواكشوط "للتعليم الجامعي عن بعد"، بما يمكن أبناء الجاليات الموريتانية بالخارج من متابعة مسارهم الجامعي عن بعد، وخصوصًا الذين قد تقعد بهم وتُعجزهم الظروف المادية و/أو الاجتماعية عن متابعة التعليم الجامعي الحضوري.
5- إنشاء شبكات -وفق ما تسمح به قوانين بلدان الجنسية المكتسَبة- بالموريتانيين الحاصلين على جنسية بلدان أخرى، من أجل إسهامهم في مزيد تمتين العلاقات الثنائية بين موريتانيا والدول المكتسَبة جنسياتها.
6- إعداد سجل خاص بالمشاهير علميًا أو أعماليًا أو فنيًا أو المؤثرين من الموريتانيين بالمهجر (ويبدو أن عددهم غير قليل مقارنة بعدد الموريتانيين المهاجرين)، وربطهم بنظرائهم من المواطنين المقيمين بما يعود بالنفع على الوطن والمواطنين.
7- استحداث آلية لمزيد مناصرة نفاذ الموريتانيين (أدمغة وسواعد) إلى فرص عمل بالمنظمات الدولية والإقليمية وأسواق العمل بالدول التي تستقدم موارد بشرية أجنبية، وتوجد تجارب مؤسسية عديدة لدى بعض الدول يمكن الاستئناس بها، مع التنبيه على أن الاستئناس نافع و"النسخ واللصق" ضار.




