spot_img

اقرأ أيضا..

شاع في هذا القسم

جبريل و احويرثي… فصلان من كتاب الداخلية الموريتانية

في تاريخ وزارة الداخلية الموريتانية، يبرز اسمان شكلا مرآة لأسلوب الحكم في مرحلتين سياسيتين متباعدتين، إلا أنهما تشابهتا في حساسيتهما الأمنية وتعقيدهما الاجتماعي.

أحدهما برز في عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، حين كانت الدولة تُدار بقبضة مركزية صارمة، جعلت أصابع الاتهام تصف نظامه بالنظام البوليسي..

والثاني ظهر في عهد الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، ضمن سياق سياسي أكثر انفتاحا لكنه لم يخلُ من تحديات أمنية تستدعي خبرة وهدوءا وحنكة في إدارة الملفات المعقدة.

وبين الرجلين خيطٌ ناظم وصرامةٌ تُترجم إلى حضور قوي داخل الجهاز التنفيذي، وبراغماتية سياسية جعلت كليهما رقما وازنا في إدارة اللحظات الحرجة..

غير أن اختلاف الأزمنة رسم لكل واحد منهما بصمته الخاصة؛ فالأول جسّد مدرسة السلطة التقليدية بقواعدها الصلبة، بينما عبّر الثاني عن توازن جديد يراهن على تحسين الأداء وتثبيت الاستقرار بوسائل أكثر نعومة وأوسع تشاورا مشكلين بذلك فصلين مهمين في تاريخ الداخلية الموريتانية..

فصلٌ يعلوه اسم جبريل عبد الله؛ رجلٌ حمل الوزارة في مرحلة كانت الدولة فيها تمشي على أرض ساخنة، تتقلب بين رياح الداخل وشرر الجوار..

يوم اشتعلت أحداث السنغال وتمدّد لهيبها نحو الحدود، كان جبريل هو الساتر الأخير الذي يقف بين هشاشة الداخل واحتمال الانفجار.

جبريل عبد الله… يُنظر إليه اليوم كأحد مؤسسي الدولة الطائعية في موريتانيا، لكنه في الوقت نفسه ظل ضحية لعوالمها المعقدة، شخصية تتجسد فيها تناقضات السلطة والتاريخ.

وُلد من أب فرنسي يُدعى سامبير، الذي عمل إداريا استعماريا في كيفة، قبل أن يعتنق الإسلام ويغيّر اسمه إلى عبد الله، إلا أن أوراقه الرسمية وسمعته المحلية ظلت تحمل اسم سامبير cimper حتى أواخر الثمانينيات، شاهدة على جذور هويته المزدوجة..

درس في كيفة، ثم واصل تعليمه الثانوي في نواكشوط، قبل أن يمتد به الطريق إلى دكار وفرنسا، حيث صقل معرفته العسكرية والإدارية هناك ..

انضم جبريل، وهو الاسم العربي لـ گابرييل، إلى الجيش الموريتاني فور تأسيسه عام 1961، وبدأ مسيرته العسكرية برتبة تحت ملازم، قبل أن يتخرج كإداري عسكري من مدينة بورغ الفرنسية سنة 1970.

في العام نفسه، تولى إدارة العتاد والذخيرة، ثم قيادة المنطقة العسكرية السادسة، الحامية الرئيسية يومها للعاصمة نواكشوط، ليصبح رمزا للصرامة والانضباط، وشاهدا على التحولات التي شكّلت وجدان الدولة الموريتانية.

شخصيته، الممزوجة بين الإرث الاستعماري والانتماء الوطني، تجعل منه حالة استثنائية في تاريخ موريتانيا العسكري والسياسي، بين قوة النفوذ ومرارة المصير..

جبريل عبد الله، رجل ظلّ في الظل ليصنع من وزارة الداخلية أقوى سلاح في الدولة من يوم تصديه لانقلاب 16 مارس 1984 ، كانت خطواته محسوبة، فقد نال ثقة هيدالة وعينه بعد شهر من فشل الإنقلاب على رأس الداخلية ، لتبدأ الوزارة رحلة عسكرة الإدارة المدنية وبسط النفوذ الأمني بلا منازع.

ومع انقلاب معاوية، تحوّل جبريل إلى اليد القوية التي تمسك بكل شيء، حيث أضحى ثاني أقوى شخصية في البلد بعد الرئيس نفسه، يراقب، يقرر، ويعيد رسم خريطة السلطة من حوله.

يُقال إنه من أطاح ببابلي بعد تساهله مع أحداث “أفلام” سنة 1986 وأبلغ معاوية ولد سيد أحمد الطائع بذلك ليعين أحمدو منيه قائد للأركان، ليتولى جبريل وزارة الداخلية ويبسط سيطرته المطلقة على المؤسسة العسكرية.

تحت إدارته، تحوّلت الداخلية إلى شبكة استخبارات ورقابة صارمة، كل خيط فيها يمر عبره، وكل خطوة مراقبة بدقة، ليبقى جبريل عبد الله اسما يرمز إلى القوة، الحنكة، والسيطرة المطلقة في مرحلة حرجة من تاريخ موريتانيا

جبريل ولد عبد الله، الرجل الذي بسط يده على مفاصل الدولة وأحكم السيطرة على الأمن والسياسة، أصبح فجأة أسيرا لموازين جديدة!

عام 1989، وقف في السنغال كجدار صلب أمام نظيره أندريه سونكو، رافضا أي تنازل حول أحداث النهر، فتحوّل التوتر الحدودي إلى حرب تكاد تكون رسمية، ثم قطعت العلاقات بين البلدين لكن مطلع 1990 كشف هشاشة القوة..

تحرك ولد الطايع بلا هوادة، ووضعه تحت الإقامة الجبرية في كيفه، وأزاحه عن وزارة الداخلية، رغم الثقة التي كانت قد أعيدت إليه سابقا.

في شوارع نواكشوط كانت الشائعات عن انقلاب محتمل تتردد، بينما في السنغال اعتُبرت خطوة ولد الطايع تجاه گابرييل بداية لتهدئة التوتر..

غير أن وزارة الداخلية، التي اعتادت أن تكون مرآة لتحولات السلطة وموازين القوة، لم تتوقف عند نموذج الرجل القوي الذي يصنع نفوذه من القبضة الأمنية وحدها..

فبعد عقود من زمن جبريل عبد الله، ستشهد الوزارة وجها مختلفا لرجلٍ قادم من صميم الإدارة الترابية، يعرف الولايات والمقاطعات أكثر مما يعرف أروقة الثكنات، وأسماء قادتها؛ ويستمد نفوذه من خبرة في تسيير الدولة أكثر من استمداده من رهبة المؤسسة العسكرية.

هنا يبرز اسم محمد أحمد ولد محمد الأمين، أو “ولد احويرثي”، الذي يمثل جيلا آخر من رجال الداخلية؛ جيل تشكل داخل الإدارة المدنية وتدرج في هرمها، قبل أن يصل إلى قمة الجهاز التنفيذي المكلف بإدارة الأمن والإدارة الإقليمية والانتخابات.

ولد في بومديد سنة 1959، في بيئة داخلية بعيدة عن صخب العاصمة، قبل أن يتخرج من المدرسة الوطنية للإدارة وينطلق في مسار مهني طويل بين الولايات والمقاطعات.

وعلى خلاف جبريل عبد الله الذي جاءت به المؤسسة العسكرية إلى واجهة السلطة، صنع ولد احويرثي اسمه داخل الإدارة المحلية، حيث راكم تجربة ميدانية واسعة منحته معرفة دقيقة بالمجتمع الموريتاني وتوازناته القبلية والسياسية والاجتماعية.

ومع تعيينه وزيرا للداخلية خلال المرحلة الانتقالية بين عامي 2005 و2007، وجد نفسه أمام اختبار من نوع مختلف؛ فالدولة يومها لم تكن تبحث عن فرض السيطرة بقدر ما كانت تبحث عن إدارة انتقال سياسي حساس يقود إلى أول انتخابات توافقية في تاريخ البلاد.

لاحق، حملته خبرته إلى السلك الدبلوماسي سفيرا في تركيا لسنوات ثم مالي، قبل أن يستدعيه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى دائرة القرار الأولى مديرا لديوان رئاسة الجمهورية، وهي المحطة التي عززت حضوره داخل الدولة ورسخت صورته باعتباره أحد أكثر الإداريين قربا من رئيس الجمهورية.

وعندما عاد إلى وزارة الداخلية في مارس 2022، عاد إليها باعتباره صاحب خبرة إدارية ودبلوماسية وسياسية امتدت لعقود؛ ينضاف ذلك لعلاقته “الروحية” بولد الغزواني حيث يشاع في الأوساط السياسية أن كليهما ينادي الآخر باسمه مجردا وهو دليل على رسوخ صداقتهما بعيدا عن دوائر السلطة والبذلات الرسمية.

وفي وقت تواجه فيه المنطقة تحديات أمنية متصاعدة وضغوطا مرتبطة بالهجرة والحدود والاستقرار الإقليمي، وجد نفسه على رأس قطاع يتطلب التوازن بين الحزم الأمني والانفتاح السياسي.

لكن إدارة التوازنات لم تكن مهمة سهلة؛ فخلال السنوات الأخيرة، وجد “احويرثي” نفسه في قلب عاصفة من الانتقادات والشكاوى السياسية والحقوقية، جعلت اسمه حاضرا في واجهة الجدل العمومي أكثر من أي وزير داخلية منذ سنوات.

فبالإضافة إلى ملف الهجرة وجد ولد احويرثي نفسه أمام مشروع إعادة تنظيم الحقل الحزبي من خلال قانون الأحزاب السياسية الجديد، وهو مسار أثار نقاشا واسعا بين القوى السياسية حول شروط الترخيص والاستمرارية الحزبية، وفي الوقت نفسه، دخل في مواجهة إعلامية وسياسية محتدمة مع حركة إيرا ورئيسها، بيرام الداه اعبيد، على خلفية ملفات متعددة تراوحت بين قضايا الهجرة والحريات العامة وإدارة الشأن السياسي.

وبين جبريل عبد الله ومحمد أحمد ولد محمد الأمين، تتجلى قصة وزارتين داخل وزارة واحدة؛ الأولى كانت عنوانا لمرحلة هيمنت فيها المقاربة الأمنية الصلبة على إدارة الدولة، والثانية تعكس مقاربة أمنية تأوي إلى ركن شديد من “السياسة”؛ والانزواء عن مصب الكاميرات والهالة الإعلامية..

spot_img