spot_img

اقرأ أيضا..

شاع في هذا القسم

موريتانيا.. إقالات وتحقيقات ومشهد سياسي مفتوح على المجهول

في تطورات جديدة تكسر رتابة المشهد السياسي الموريتاني، الذي غاب عنه عنصر “المفاجأة” منذ فترة، باتت الأخبار القادمة من أروقة الحكم أشبه بفصول متلاحقة من رواية سياسية تتبدل أحداثها قبل أن يستوعب الرأي العام خواتيم الفصل السابق.

 

تحقيقات تهز مواقع المسؤولية، وتفتح أبواب الأسئلة، وتطورات سياسية تتشابك خيوطها بين ما يُعلن رسميًا وما يظل حبيس الكواليس، في مشهد تتسارع فيه الوقائع وتتزاحم فيه القراءات والتأويلات، وبين هذا وذاك جاءت الأحداث المتلاحقة التي عرفتها نواكشوط خلال الـ48 ساعة الماضية، فبعد ساعات من نشر تقرير لجنة التحقيق في حريقي محطتي الكهرباء بنواكشوط اللذين شغلا الرأي العام الموريتاني منذ أغسطس الماضي، جاءت استقالة أو “إقالة” حكومة الوزير الأول المختار ولد اجاي، قبل أن يتفاجأ الرأي العام بعد أقل من أربع ساعات بإعادة الثقة في ولد أجاي من جديد، وسط قراءات متباينة لأسباب ذلك ودوافع الإقالة أصلا؟!.

 

نتائج التحقيق وبداية الأزمة..

منذ بداية أزمة حرائق المحطات وتكليف وزير الاقتصاد السابق عثمان كان برئاسة لجنة تحقيق مستقلة ضمت شخصيات موريتانية وخبراء دوليين، بدت الفجوة بين ولد الغزواني وحكومته وكأنها تتسع شيئا فشيئا، حتى تحولت اجتماعات مجلس الوزراء خلال الأسبوعين الأخيرين إلى لقاء قصير وعابر تستعرض فيها مشاريع قوانين محدودة ثم تمرر بسرعة دون أن يأخذ ذلك من وقت الرئيس أكثر من 30 دقيقة، عكس الاجتماعات الطبيعية التي كانت تستمر لأربع ساعات وأكثر!

هذا التغير الذي قرأه البعض على أنه تغير في مزاج الرئيس بسبب الأزمات المتلاحقة، أشفعَ بالإعلان عن استقالة حكومة ولد أجاي بعد يوم واحد من تسلّم الرئيس ولد الشيخ الغزواني تقرير لجنة التحقيق المستقلة في الحريقين اللذين اندلعا، خلال أغسطس الماضي، في محطتين رئيسيتين لتوليد الكهرباء بالعاصمة نواكشوط، تابعتين للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، ما أدى إلى انقطاع التيار عن معظم أحياء المدينة وإغراقها في الظلام.

نتائج التحقيق، الذي تسلّمه ولد الغزواني وأمر بنشره، أظهرن وجود اختلالات في مراحل إعداد مشروع إنشاء ثلاث وصلات كهربائية وتنفيذه والإشراف عليه.

ورصد التقرير جملة من التجاوزات الفنية والإدارية، أبرزها تعديل الشركة المكلفة بصيانة المحطتين مواصفات الكابلات من دون استكمال الاختبارات الفنية اللازمة، إلى جانب ضعف الرقابة على الأشغال وتشغيل الوصلات رغم وجود تحفظات فنية بشأنها.

كما كشف التحقيق عن قصور في إجراءات إسناد الصفقة المتعلقة باستبدال الكابلات الكهربائية، موضحا أن الشركة التي رست عليها الصفقة لم تكن مؤهلة لتنفيذها، وأن المهلة المحددة لإنجاز المشروع، والبالغة أربعة أشهر، لم تكن واقعية، بالنظر إلى التقديرات الفنية التي حددت مدة التنفيذ بين عشرة أشهر وسنة.

وأوصت لجنة التحقيق بفسخ العقد مع الشركة المنفذة، وإجراء تقييم شامل لسلامة منشآت الشركة الموريتانية للكهرباء، وتحديد المسؤوليات عن الاختلالات المسجلة، فضلا عن تعزيز التنسيق مع الحماية المدنية لضمان سرعة الاستجابة للحوادث المماثلة.

ملف مدوني الخارج.. وجدل متواصل

 

وغير بعيد من ملف حرائق “صوملك”، كان لملف مدوني الخارج أو ما وصفته الحكومة على لسان الناطق الرسمي باسمها سابقا الحسين ولد مدو، بحملة تفكيك شبكة ابتزاز مالي، نصيبه من الجدل في الأيام التي سبقت استقالة الحكومة.

ورغم أن الحكومة تحدثت عن توقيف قرابة الـ20 شخصا في خرجاتها الإعلامية الأخيرة، إلا أن الملف مازال في مراحل التحقيق الأولى، في الوقت الذي لم يفرج عن أي من المعتقلين حتى الآن.

ولا يغيب عند الحديث عن الملف، التطرق إلى إمكانية أن تكون له تداعيات ساهمت بشكل أو بآخر بتعجيل قرار ولد الغزواني بإقالة الحكومة، خصوصا مع الحديث عن تورط مسؤولين في الملف، وفقا لمراقبين.

إعادة للثقة رغم تحمل مسؤولية التقصير!

وفي كلمته التي بدأت وكأنها كلمة مودع قال الوزير الوزير الأول المختار ولد اجاي في تصريحه عقب تقديم استقالة حكومته، إنه وحده من يتحمل مسؤولية أي تقصير حدث في عمل حكومته.

وعبّر ولد اجاي عن شكره العميق للرئيس ولد الغزواني على الثقة التي أولاه إياها منذ تكليفه بتنسيق العمل الحكومي في أغسطس 2024، وعلى ما حظي به من توجيهات ودعم ومواكبة طيلة فترة ترؤسه للحكومة، وفقا لقوله.

ومع أن الرأي العام أو أغلبه على الأقل قرأ في كلمات الوزير الأول اعترافا ضمنيا بالتقصير وتحملا للمسؤولية قد يحرمه من إعادة الثقة، إلا أن ولد الغزواني فاجأ الجميع بعد ساعات فقط بإعادة الثقة في وزيره الأول، الذي تعهد في أول تصريح له بعد تكليفه بقيادة المرحلة المقبلة، بالعمل فورا على تشكيل حكومة جديدة، مثمنا ثقة الرئيس ومؤكدا أن الحكومة الجديدة يجب أن تكون لديها الكفاءة السياسية والفنية لمواصلة تنفيذ برنامج الرئيس غزواني “طموحي للوطن”.

وأضاف أن الحكومة الجديدة يجب أن تكون قادرة على مواجهة تحديات الأزمة العالمية الراهنة، وخصوصا تعزيز شبكة الأمان التي ستسمح للمواطنين الأقل دخلا بمواجهة تأثيرات هذه الأزمة

خطأ في قراءة اللحظة!

ويرى الصحفي الموريتاني المقيم بالخارج والمهتم بالشأن السياسي عبد الله سيديا، أن الرئيس لم يقرأ اللحظة الراهنة كما يجب، فهناك بحسب رأيه “تذمر عام من عمل هذه الحكومة ومن شعبوية رئيسها الذي بدد عشرات المليارات من أموال الموريتانيين في مشروع نعلم جميعا أنه فاشل وأن الفساد الإداري والمالي طبعه وهو مشروع عصرنة نواكشوط”.

ويضيف ولد سيديا: “ولد اجاي هو من وضع البرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط الذي تم بموجبه منح صفقة يكتنفها الغموض والفساد لنائب برلماني من أقارب الرئيس يمتلك شركة شبحية أثبتت لجنة التحقيق في قضايا حرائق المحطات أنها زورت شهادات خبرة واقتنت كابلات مغشوشة في صفقة كلفت الموريتانيين 1.5 مليار أوقية وأدت إلى حرائق كارثية وانقطاعات غير مسبوقة للتيار الكهربائي!”.

وأكد الصحفي عبدالله سيديا، أنه عندما استقالت الحكومة بطلب من الرئيس “وتوقعنا أن مرحلة ولد أجاي قد طويت تماما فاجأ الرئيس الجميع بإعادة تكليفه وكأنّه يقول لكل الموريتانيين رغم الفساد والاستبداد والصفقات والحرائق رغم كل شيء، هذا الرجل باق رغم أنوفكم”.

وتابع ولد سيديا: “ليست هذه خطوات إصلاحية من رئيس وعد بمحاربة الفساد ولم يفعل خلال ثلاثة أرباع مأموريتيه، وليست هذه بادرة حسنة من رئيس تعهد بالكثير ولم ينجز سوى القليل”.

ترتيب الأولويات

وعكس ولد سيديا يرى الصحفي محمد ولد عمر في حديثه لـ”مدار”، أن استقالة الحكومة وإعادة الثقة في الوزير الأول المختار ولد اجاي، تحملان أكثر من دلالة وقد تكونان جزءا من إعادة ترتيب الأولويات الحكومية وتقييم الأداء خلال المرحلة الماضية.

وشدد ولد عمر علة أنه مازال “من المبكر الجزم بخلفيات القرار أو ربطه بملف التحقيق في حرائق المحطات”.

وأضاف: “بخصوص ملف حرائق محطات صوملك فمن الطبيعي أن يطرح الرأي العام تساؤلات بشأن علاقته باستقالة الحكومة، لكن لو افترضنا ذلك وأنه السبب فعلا، لكان يكفي من ذلك إقالة الوزير المباشر الذي ورد اسمه في التقرير”.

محاولة لتخدير الرأي العام!

أما الصحفي الموريتاني المقيم بتركيا حسن المهدي، فيرى أن البعض قد يرى أن استقالة الحكومة في الظرف الحالي، تبرز كمؤشر على نية لتحسين العمل الحكومي، بينما لا تعدو سوى “محاولة لتخدير الرأي العام خصوصا في ظل الأزمات الراهنة”

وشبه ولد المهدي في تصريح لـ”مدار”، ما حدث بتغيير المأموم سعيا في إصلاح حال الإمام، مضيفا “لا يتوقع “الكائن السوي” في موريتانيا أن تكون الحكومة الجديدة أفضل من سابقاتها، لأن المشكلة مشكلة منظومة كاملة، ثلاثون دقيقة كافية وأكثر لتدوير نفس الطغمة”.

أما عن ملف شركة الكهرباء، فيرى حسن المهدي، أنه “رغم خطورته وتأثيره على الجانب الخدمي من حياة المواطنين جاء التقرير المتضمن لنتائج التحقيق فيه دون المتوقع حيث لم يوص بإجراءات تتعلق بمحاسبة أو محاكمة المتورطين فيه سوى بنقطة واحدة تتعلق بتزوير وثائق، وهو ما يجعل وصوله للعدالة أمرا مستبعدا إلا في حال كانت لدى النظام نية لتصفية حسابات مع أشخاص محددين”، وفقا لقوله.

ويترقب الشارع الموريتاني في الساعات تشكلة الحكومة الجديدة، التي كلف ولد الغزواني وزيره الأول المختار ولد اجاي بتشكيلها مجددا، بين من يتطلع إلى أن تراعي الحكومة المقبلة التعهدات المتعلقة بإشراك الشباب بعد مرور نصف “مأمورية الشباب”، ومن يرى أن إعادة تدوير المسؤولين ستظل القاسم المشترك بين مختلف حكومات ولد الغزواني.

spot_img