كلما ازداد اضطراب العالم ارتفعت قيمة الاستقرار وكلما اتسعت دوائر الفوضى حول دولة ما أصبح الحفاظ على تماسكها إنجازا سياسيا قائما بذاته، هذه حقيقة لا يلتفت إليها كثيرون إلا بعد فوات الأوان فالدول لا تختبر قوتها في أوقات الرخاء، بل عندما تتزاحم الأزمات وتتقاطع الضغوط الداخلية والخارجية في لحظة واحدة ، لهذا يصعب قراءة تجربة محمد ولد الشيخ الغزواني بعيدا عن السياق الذي حكم فيه !!!
فالرجل لم يتسلم السلطة في مرحلة عادية من تاريخ العالم، خلال سنوات قليلة فقط تعاقبت جائحة عالمية شلت الاقتصاد الدولي، وحرب أوروبية أعادت رسم أسواق الغذاء والطاقة، وانقلابات متتالية في الساحل الإفريقي، وتوتر غير مسبوق بين الجزائر والمغرب، ثم موجة سياسية جديدة في السنغال حملت إلى السلطة جيلاً شاباً بخطاب مختلف، قبل أن يدخل العالم مرحلة جديدة من القلق مع تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وما يرافقها من تهديد دائم لأسواق المحروقات والتجارة الدولية .
في خضم هذا المشهد المضطرب اختارت موريتانيا طريقا قليل الظهور قوي الأثر لم تدخل في معارك الآخرين، ولم تتحول إلى جزء من الاستقطابات التي مزقت الإقليم، ولم تنجرف وراء الإغراءات التي دفعت أنظمة كثيرة إلى اتخاذ مواقف حادة ثم دفعت أثمانها لاحقا .
بلغ التوتر بين الجزائر والمغرب مستوى لم تشهده المنطقة منذ عقود، ووجدت دول عديدة في الاقليم نفسها مضطرة للاصطفاف هنا أو هناك أما نواكشوط فتمسكت بخيار مختلف؛ المحافظة على علاقات متينة مع الجزائر دون التفريط في عمق العلاقة مع المغرب لم يكن ذلك حيادا سلبيا بل إدراكا بأن مصلحة موريتانيا تكمن في أن تكون جسرا لا خندقا وأن تكون مساحة تواصل لا جزءا من الانقسام .
وعندما أفرزت السنغال سلطة جديدة تحمل خطابا احتجاجيا ورغبة معلنة في مراجعة كثير من المسلمات السياسية والاقتصادية، تعاملت موريتانيا مع الواقع الجديد بهدوء الدولة لا بحساسية الأنظمة فاستمرت الشراكة، وتواصل التنسيق، ومضى مشروع الغاز المشترك باعتباره مصلحة استراتيجية تتجاوز تغير الحكومات والأمزجة السياسية.
لكن السياسة الخارجية لا تختزل حصيلة هذه المرحلة
ذلك أن السنوات الماضية شهدت أيضاً محاولة لإعادة تعريف دور الدولة الاجتماعي. لأول مرة أصبح السجل الاجتماعي أداة مركزية في توجيه الدعم العمومي، وتحولت تآزر إلى مؤسسة تدير واحداً من أكبر برامج الحماية الاجتماعية في تاريخ البلاد مئات الآلاف من المواطنين دخلوا دائرة التحويلات النقدية والتأمين الصحي والدعم المباشر والخدمات الأساسية عبر برامج استهدفت الفئات الأكثر هشاشة .
ولم تكن هذه المقاربة استجابة ظرفية لظروف اقتصادية طارئة، بل تعبيرا عن تصور جديد للعلاقة بين الدولة والفئات الأكثر هشاشة، قوامه الانتقال من منطق المساعدة الموسمية إلى منطق الحماية الاجتماعية المنظمة .
وفي المجال الصحي اتجهت الدولة إلى توسيع مظلة التأمين الصحي التضامني لتشمل مئات الآلاف من المواطنين الذين كانوا خارج أي تغطية صحية كما شهد القطاع الصحي بناء وتجهيز مؤسسات استشفائية جديدة، وتوسيع البنية الصحية، وتعزيز الموارد البشرية والخدمات الأساسية في عدد من الولايات .
أما المدرسة الجمهورية فهي من أكثر المشاريع التي أثارت النقاش خلال السنوات الأخيرة لأنها ترتبط بمسألة تتجاوز التعليم في حد ذاته فالدولة راهنت من خلالها على بناء فضاء تربوي مشترك يجتمع فيه أبناء الموريتانيين تحت سقف واحد، بما يحمله ذلك من أبعاد وطنية وثقافية واجتماعية تتجاوز حدود المدرسة التقليدية .
وفي البنية التحتية برزت مشاريع الطرق والجسور بوصفها جزءاً من رؤية أشمل لربط المجال الوطني وتسهيل الحركة الاقتصادية بين المدن والمناطق الإنتاجية و توسعت الشبكة الطرقية المعبدة، وأطلقت مشاريع ربط جديدة، كما شهدت العاصمة إنشاء جسور ومحاور مرورية ساهمت في تخفيف الضغط وتحسين الانسيابية داخل المدينة .
وفي القطاع الزراعي اتجهت السياسات العمومية نحو تعزيز الإنتاج الوطني وتقوية الأمن الغذائي. وقد انعكس ذلك على زيادة المساحات المستصلحة وتطوير البنية الداعمة للزراعة ورفع مستويات الإنتاج في عدد من الشعب الزراعية، في وقت كانت فيه اضطرابات الأسواق الدولية تدفع كثيرا من الدول إلى إعادة التفكير في مفهوم السيادة الغذائية.
وإذا كانت هذه المشاريع تمثل جانبا من الحصيلة، فإن الجانب الآخر يتعلق بالظرف الذي أنجزت فيه. فالدولة كانت مطالبة في الوقت نفسه بمواجهة آثار كورونا، وامتصاص صدمات الحرب الروسية الأوكرانية، والتعامل مع الارتفاعات المتتالية في أسعار الغذاء والطاقة، والحفاظ على التوازنات المالية والاجتماعية .
ومع ذلك تبقى تحديات عديدة مطروحة فالبطالة ما تزال تؤرق شريحة واسعة من الشباب، والتعليم يحتاج إلى المزيد من الإصلاح، والإدارة ما تزال مطالبة بتحسين الأداء والنجاعة .
و في الأخير و بالنظر إلى المسار العام تبدو حقيقة تستحق التوقف عندها ؛ موريتانيا عبرت مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد دون أن تفقد استقرارها، وواصلت في الوقت نفسه تنفيذ مشاريع هيكلية ستظل آثارها حاضرة لسنوات طويلة.





