spot_img

اقرأ أيضا..

شاع في هذا القسم

فلسطين ضاعت وإسرائيل لم تنتصر

أستوحي هذا العنوان من كتاب المؤرخ الفرنسي البارز جان بيار فيليو الذي صدر مؤخرًا بعنوان “كيف ضاعت فلسطين ولماذا لم تربح إسرائيل؟”. الكتاب يسرد تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم، أي منذ قيام مشروع الوطن اليهودي في فلسطين لدى النزعة الصهيونية وسلطات الانتداب البريطاني إلى قيام الحركة الوطنية الفلسطينية وبروز مشاريع التسوية السلمية بين العرب والإسرائيليين، وصولًا إلى الواقع الراهن (مع العلم أن الكتاب تناول في خاتمته حرب غزة الحالية).

لن نلخص هذا الكتاب المهم الذي أفاض القول في مختلف جوانب المسألة الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، وإنما سنكتفي بالوقوف على المعطيات الأساسية التي أوردها بخصوص قيام المشروع الإسرائيلي، وسياق تحققه تاريخيًا.

في هذا السياق، يبين المؤلف أنه لا سبيل لفهم المحددات التاريخية لقيام دولة إسرائيل دون أن ندرك دور الصهيونية البروتستانتية الإنجيلية الأنغلوساكسونية في تبني فكرة إنشاء وطن يهودي في فلسطين لأسباب دينية محضة ترتبط بعودة المسيح في آخر الزمان لإقامة “مملكة الرب”.

إن هذا العامل الديني هو الذي يفسر السياسة البريطانية ثم الأمريكية الداعمة للمشروع الصهيوني، كما يبين مسار إعفاء الدولة اليهودية من قوانين البشر ومن القانون الدولي.

المعروف أن المهاجرين البروتستانت البيض إلى أمريكا نظروا إلى هذه البلاد التي وطأتها أقدامهم منذ بداية القرن السابع عشر بصفتها الأرض الموعودة الجديدة، أي القدس الحديثة المؤسسة على جبل صهيون المعاصر.

وهكذا ظهرت لدى المجموعات المهاجرة الأولى سردية الشتات العبري وضرورة بناء مستوطنة تحكمها الشرائع الإلهية، رغم معارضة عدد من المجموعات الأخرى القادمة من ألمانيا وفرنسا خصوصًا. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتمدت في سنة  1783 نظامًا فيدراليًا علمانيًا، إلا أن هذا المتخيل الديني ظل حاضرًا بقوة في الخطاب السياسي، إلى حد أن الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن اعتبر نمطًا من النبي موسى الذي قاد شعبه إلى الأرض الموعودة، كما اعتبر خليفته جون آدمز نمطًا من النبي يسوع.

ومن هنا لا يمكن القول إن التأييد الأمريكي التام لإسرائيل جديد، بل يعود إلى بدايات تشكل الدولة الفيدرالية، إلى حد أن الرئيس آدامز كان يحلم في بدايات القرن التاسع عشر بقيام مملكة يهودا الجديدة على يد جيش إسرائيلي لا يقهر .

وفي سنة 1844، أصدر أستاذ الدراسات العبرية في جامعة نيويورك جورج بوش (من الجيل الأول من الأسرة التي انحدر منها رئيسان للولايات المتحدة لاحقًا)، كتابًا بعنوان “ضفة الرؤية أو بعث عظام إسرائيل النخرة”. طرح فيه مشروع تأسيس دولة يهودية جديدة على “أرض كنعان” (من البحر إلى النهر)، وذهب إلى عدد من مؤشرات قيامها بالرجوع إلى بعض الإخبارات الواردة في الكتاب المقدس.

وفي سنة 1839، طرح السياسي البريطاني المحافظ أنتوني آشلي كوبير(اللورد شافتسبوري) على حكومة بلاده تبني منح أرض فلسطين لليهود وإخراجها من السيطرة العثمانية المصرية. بيد أن الجاليات اليهودية الأوروبية لم تتحمس لهذا المشروع، وإن ظل اللورد شافستوري على رأيه بأن فلسطين “بلاد بلا أمة”، ويجب أن تمنح للأمة “المصطفاة” التي لا وطن لها .

لم يكن اللورد الإنجليزي وحيدًا، بل كان جزءًا من حركة واسعة تتبنى الاستيطان اليهودي في فلسطين، من بين شخصياتها المؤثرة العقيد جورج غالوير حاكم أستراليا السابق ورجل الأعمال الأسترالي المعاصر له السير موشي مونتفيور الذي أنفق الكثير من الأموال على الاستيطان اليهودي في القدس. وقد واكب جهود هؤلاء السياسيين ورجال الأعمال جمع من المستشرقين المهووسين بالتراث العبري والمناوئين للثقافة العربية الإسلامية المحلية .

وهكذا، يخلص فيليو إلى أن المشروع الصهيوني لم يبدأ مع هرتزل الذي طور أفكارًا ومشاريع جاهزة سابقة عليه. وعندما نظم المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، لم يكن القرار الذي اعتمده هو إنشاء دولة يهودية بل مجرد مأوى للجاليات اليهودية الأوروبية في فلسطين، وقد كانت اللغة المعتمدة في المؤتمر هي الألمانية لا العبرية. والواقع أن مشروع هرتزل رفض على نطاق واسع في المجتمع اليهودي، ولم يتوفر له الدعم الحقيقي إلا من الصهيونية الإنجيلية. ولم يكن لهذا المشروع أن يرى النور لولا الدعم البريطاني، ولذا نقل هرتزل المؤتمر الصهيوني الرابع إلى لندن لهذا الغرض.

وحتى عند ذلك التاريخ كانت الهجرات اليهودية إلى فلسطين تتشكل أساسًا من الروس الفارين من القمع القيصري، وكانوا إجمالًا رافضين بشدة لأفكار هرتزل الذي راهن على رئيس الحكومة بالفور ووزير المستعمرات شامبرلين اللذان كانت لهما ميول دينية محافظة وكانا حريصين على كبح الهجرة اليهودية إلى بريطانيا. ولقد كان البرنامج البريطاني الأصلي يكمن في إنشاء مستوطنات يهودية في شمال شرق سيناء المصرية، بينما طرح هرتزل في مؤتمر بازل سنة 1903 مشروع الاستيطان اليهودي في شرق أوغندا.

بعد موت هرتزل، تراجع التيار الصهيوني الألماني لصالح التيار الإنجليزي الذي يمثله حاييم ويزمان، وهو تيار متناغم مع أطروحة الصهيونية الإنجيلية التي طرحت منذ البداية إحياء الوجود اليهودي في فلسطين.

لقد وقفت الإدارة الإنجليزية ضد طموح فرنسا لحماية الأماكن المقدسة المسيحية في القدس والناصرة وبيت لحم، فأعلنت وعد بلفور الذي رفضه بشدة الوزير اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية آنذاك أدوين مونتاغو الذي اعتبره معاديًا للسامية. ومن هنا، ندرك أن مشروع الدولة الإسرائيلية لم يكن مشروعًا يهوديًا في أصله، وإنما هو حصيلة التوافق البريطاني-الأمريكي المؤسس على خلفيات دينية إنجيلية.

ومع أن اليهود في فلسطين لم يكونوا يشكلون أوانها أكثر من عشر السكان، إلا أن عرب فلسطين اعتبروا مجرد “مجموعات غير يهودية” دون هوية أو انتماء .

في هذا الباب، بيبن فيليو أن بريطانيا تنكرت لوعودها لقادة الثورة العربية، وأخضعت فلسطين لإدارة عسكرية من أجل تسهيل المشروع الصهيوني ومنع تشكل حركة وطنية فلسطينية مناوئة لهذا المشروع .

وفي تموز/يوليو 1922، أقرت عصبة الأمم الانتداب البريطاني على فلسطين، مع اعتماد وعد بلفور، بما انجرت عنه مفارقة مثيرة تكمن في كبح خيار استقلال الشعب الفلسطيني ومنحه دولة مستقلة على غرار مشاريع الانتداب الأخرى، في الوقت الذي تكفلت السلطات البريطانية بإنشاء وطني قومي لليهود الذين يشكلون أقلية ضئيلة على الأرض.

 

spot_img