تجلس آمنة مع بناتها التوأم ذي الحولين، مفترشة خنشة زرقاء على قارعة طريق شارع جمال عبد الناصر، وسط ازدحام مرتادي سوق العاصمة نواكشوط، تسأل الناس من غير حاجة.
بنظرات يائسة ترقب صاحبة الثلاثين عاما حركة المارة وبيدها برتقالة سرحت في تقشيرها لكسر رتابة ساعات التسول الطويلة، وإطعام ابنتيها اللائي حولتهن عادات المجتمع من نعمة إلى نقمة.
حيث تقول الأسطورة الشعبية – حسب آمنة – “إنه على من رزقهم الله توأما، امتهان التسول كل يوم جمعة إلى أن يبلغ التوأم سن الرشد، حفاظا على سلامتهم”.
تسهب آمنة سيدي وهي أم أنثى توأم، في شرح الأسباب والدوافع التي قادتها للتسول، مبينة أنها لا تعدوا عادة اجتماعية لدى سكان مسقط رأسها ” مقاطعة أمبود بولاية كوركول”، تفيد “بأن من يرزق بتوأم يجب عليه أن يتسول بتوأمه من أجل صحتهم وسلامتهم إلى أن يصلا مرحلة البلوغ “.
وتؤكد آمنة عدم حاجتها للتسول وتقول “أنا امرأة متزوجة وزوجي يعمل في الصيد التقليدي ولاينقصنا شيء ولله الحمد”.
وأفادت بأنها تذهب من السابعة صباحا كل يوم جمعة للتسول، وتجني أحيانا 2000 أوقية قديمة في نهاية اليوم”.
وفي ذات السياق يؤكد بابا ولد ماسا لمدار على أن سكان مقاطعة أمبود بولاية كوركول لديهم هذه العادة التي قال بأنها متواترة لدى أجداده .
ويضيف لمدار :
لقد ولدت بمقاطعة أمبود بولاية كوركول ، “ولدي أخت رزقت بتوأم وهي الآن بمدينة نواكشوط، حيث تمارس التسول كل يوم جمعة بتوأمها، وهو أمر مفيد لصحتهم وعادة لدى مجتمعنا “.
ويضيف ولد ماسا لمدار:
” لا أعتقد أن ممارسة هذه العادة هي أمر غير عادي مثل العادات الأخرى لدى المجتمع الموريتاني “، مشيرا في حديثه إلى أن هذه العادة، ” دأب عليها المجتمع الذي ترعرعت فيه ، ومن رزق بتوأم ولم يمارسها، تسوء صحة أطفاله “.
ظروف إعاقة
بعيدا عن أساطير المجتمع تسرد ماسلسي قصة قادتها من مدينة كيهيدي في الجنوب الموريتاني، تاركة ورائها نظرات فلذات كبدها البريئة، على أمل أن تفتح لها العاصمة أبواب الفرص.
وتضيف ماسلسي الخمسينية أن واقع الإعاقة في رجليها قد كان له الدور الرئيسي في امتهانها للتسول.
وتوضح لمدار وهي تشيح بغطاء وجهها المليء بتجاعيد الأيام وندبات الزمن ” لقد تركت أطفالي بمدينة كيهيدي وأتيت إلى العاصمة نواكشوط على أمل إيجاد فرصة عمل، لكنها لم تفتح أبوابها بوجهي”.
وأفادت ماسلسي بأنها تجمع يوميا حوالي 2500 أوقية قديمة حسب كثرة المارة، مؤكدة أنها بدأت إقناع نفسها أن التسول هو المهرب الوحيد من واقع عجزها.
طموح وأهداف
بابتسامة مفعمة بالأمل، ونظرات صوب هدف محدد، يبدأ با تيرن أمادا الوالد لسبعة أطفال والمتزوج من امرأتين، يومه المفع بالأمل، قائلا إن التسول بين زوايا ملتقى طرق BMD، هو روتينه اليومي لجني قوت أطفاله وسد حاجيات العائلة.
ويروي باتيرن لمدار:
” هدفي الرئيسي الذي أطمح له هو توفير تعليم جيد لأطفالي، ليتمكنوا من الحصول على فرص عمل محترمة تؤمن لهم العيش الكريم بعيدًا عن طريق التسول الذي سلكته مكرهاً” .
وبنبرة حزينة يضيف “لقد رأيت من مر الحياة والنظرة الدونية مالا أريد أن يعيشه أبنائي” مؤكدا أنه يدرسهم في المدارس ويصرف عليهم بمداخيله من التسول ليحظوا بمستقبل أفضل وأكثر إشراقا، حسب تعبيره.
ويؤكد لمدار:
لقد استفدت من بطاقة الشخص المعاق التي تخول لي الحصول على مساعدات مالية من طرف وزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة ، كما تسهل لي الاستفادة من بعض التوزيعات الغذائية من طرف الحكومة خلال شهر رمضان “.
ظاهرة التسول، تخطت مرحلة الفقر والحاجة، لتكون ضمن أساطير اجتماعية لدى البعض، ونشاطا تجاريا لدى آخرين، حيث أصبحت الأماكن المكتظة بالمارة حكرا لبعض المتسولين، لدرجة أن الواحد منهم يؤجر مكانه لمتسول غيره.
ومازالت هذه الظاهرة منتشرة في شوارع نواكشوط، رغم محاولات الدولة للقضاء عليها، عبر رصد ميزانية لذلك، وإدراج الفئات الهشة في بعض البرامج الاجتماعية.





