يشكل احتضان نواكشوط لأعمال المؤتمر الإقليمي الرابع والثلاثين لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة لإفريقيا محطة مفصلية في مسار متصاعد، تتجه فيه موريتانيا بثبات نحو ترسيخ موقعها داخل دوائر التأثير الإقليمي والدولي.
فحضور عشرات الوزراء الأفارقة، وتناول قضايا حيوية مثل الأمن الغذائي والاستثمار الزراعي، ليس مجرد تمثيل بروتوكولي، بل يعكس ثقة متنامية في قدرة البلاد على توفير فضاء مؤسسي ناضج للحوار وصياغة التوجهات الكبرى.
وفي تزامن دالّ، تأتي هذه الدورة على وقع زيارة دولة يقوم بها فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لأحد أبرز الشركاء، بينما يشرف معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي على افتتاح المؤتمر، في مشهد يعكس تناغمًا مؤسسيًا يزاوج بين الحضور الدبلوماسي والفعالية التنفيذية، ويمنح الحدث بعدًا يتجاوز رمزيته إلى عمق تأثيره.
هذا الحضور ليس معزولًا، بل هو امتداد لمقاربة حكومية يقودها الوزير الأول، تقوم على ربط التخطيط الاستراتيجي بأدوات التنفيذ، وتعزيز الانسجام داخل الجهاز الإداري، بما ينعكس مباشرة على نجاعة السياسات العمومية.
يضع المؤتمر موريتانيا في صلب نقاش إفريقي واسع حول مستقبل الزراعة والتغذية، في ظرف دولي معقد تطبعه التغيرات المناخية واضطرابات سلاسل الإمداد، وهو ما يمنح نواكشوط موقعًا متقدمًا كحاضنة للنقاشات الاستراتيجية، ويعزز صورتها كشريك موثوق في القضايا الحيوية.
منذ تولي الوزير الأول مسؤولية تنسيق العمل الحكومي، برزت مؤشرات تحول ملموسة في الأداء المؤسسي، مدعومة بإصلاحات هيكلية في الحكامة وتحديث الإدارة العمومية. وقد شكل الإصلاح الضريبي ركيزة أساسية، عبر تحسين التحصيل وتوسيع القاعدة الجبائية، بما يعزز قدرة الدولة على تعبئة الموارد وتوجيهها نحو الأولويات التنموية.
وفي السياق ذاته، اكتسبت سياسات ترشيد الإنفاق وتعزيز الشفافية زخمًا متزايدًا، بالتوازي مع مقاربة أكثر مؤسسية في محاربة الفساد، تقوم على تفعيل أدوات الرقابة وترسيخ مبدأ المساءلة، وهو ما انعكس إيجابًا على صورة البلاد لدى الشركاء الدوليين، وساهم في تحسين مناخ الاستثمار.
هذه الديناميكية لم تبق حبيسة الداخل، بل انعكست على الحضور الموريتاني في الفضاءات الدولية، سواء عبر استضافة المؤتمرات أو المشاركة الفاعلة في المبادرات متعددة الأطراف.
كما يبرز تحول نوعي في توظيف الموقع الجغرافي لموريتانيا، ضمن رؤية تستثمر موقعها كجسر بين إفريقيا والعالم العربي، في معادلة جيو-اقتصادية جديدة تتقاطع فيها رهانات الغذاء والطاقة والخدمات اللوجستية، وتفتح آفاقًا أوسع للتكامل الإقليمي.
ناقش المؤتمر قضايا محورية مثل تحديد الأولويات الإقليمية ومتابعة تنفيذ إعلان كامبالا، ما يعكس حضورًا موريتانيًا فاعلًا في صياغة السياسات الزراعية الإفريقية، لا الاكتفاء بالتفاعل معها.
في المحصلة، تعكس هذه المحطة مسارًا متدرجًا نحو تعزيز الحضور الموريتاني في دوائر القرار، مدعومًا بإصلاحات داخلية متسقة وتوازن في إدارة العلاقات الخارجية.
ويبرز دور الجهاز التنفيذي، بقيادة الوزير الأول، في تحويل التوجهات إلى برامج عملية، بما يعزز قدرة الدولة على مواكبة التحولات، وترسيخ موقعها كشريك فاعل ومؤثر في محيطها الإقليمي والدولي.





