في كل دول العالم التي تبحث عن التنمية، يُنظر إلى المستثمر الوطني باعتباره شريكًا للدولة في خلق الثروة وفرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد. وعندما ينجح مستثمر في بناء مؤسسات منتجة، فإن أول المستفيدين هم المواطنون الذين يجدون فرص عمل، والموردون المحليون، والخزينة العامة عبر الضرائب والرسوم.
وفي موريتانيا، لا يمكن الحديث عن الاستثمار الوطني دون الإشارة إلى رجال أعمال اختاروا توظيف رؤوس أموالهم داخل البلد، وإنشاء مؤسسات أصبحت اليوم جزءًا من النسيج الاقتصادي الوطني.
لقد تنوعت استثمارات محمد ولد الجفة ومحمد ولد الهاشمي في عدة قطاعات حيوية، بدءًا من موريبوا للأثاث، مرورًا بشركة TCC للأشغال العمومية، ثم فندق صباح الذي أصبح أحد أبرز المعالم السياحية في العاصمة، إضافة إلى أورو سانتير، وصولًا إلى شركة نتكوم التي دخلت سوق الاتصالات والاستثمار في البنية التحتية الرقمية.
هذه المؤسسات ليست مجرد أسماء تجارية، بل هي شركات توظف مئات الموريتانيين بشكل مباشر، وتوفر آلاف الفرص غير المباشرة للمقاولين والموردين والحرفيين وشركات النقل والخدمات.
ومن واقع تجربتي كمدير تجاري في شركة نتكوم، أستطيع أن أشهد على ثقافة العمل داخل المجموعة. فقد كان التوجيه الدائم واضحًا: إبحثو عن الفرص في القطاع الخاص، ونافسوا بجودة الخدمة، ولا تعتمدوا على التدخلات أو العلاقات للحصول على الصفقات.
بل أكثر من ذلك، عندما كنا نطلب في بعض الأحيان التدخل لدى الإدارات العمومية لتسهيل لقاء أو عرض خدمات الشركة، كان الرد دائمًا واضحًا: المنافسة تكون بالكفاءة، وإذا كانت خدماتكم أفضل فسيفوز المشروع بجدارته، أما العلاقات الشخصية فلا ينبغي أن تكون وسيلة للعمل.
وهذه ثقافة مؤسسية نفتخر بها، لأنها تقوم على احترام المنافسة الشريفة، والإيمان بأن السوق هو من يحكم على جودة الخدمات.
كما أن ما يميز هذه المجموعة هو اعتمادها في التوظيف على الكفاءة قبل كل شيء. فلم يكن يومًا الانتماء القبلي، أو الجهوي، أو العلاقات الشخصية معيارًا للحصول على وظيفة، وإنما المؤهلات، والخبرة، والقدرة على الإنتاج. وهذا النهج ساهم في فتح المجال أمام عشرات الشباب الموريتانيين لإثبات قدراتهم بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
إن محاربة البطالة لا تكون بالشعارات، وإنما بإنشاء الشركات، والاستثمار في المشاريع، وتوفير الوظائف، ودفع الرواتب، وتكوين الكفاءات، وتحمل مخاطر الاستثمار في بيئة اقتصادية ليست دائمًا سهلة.
ولا يعني الدفاع عن أي مستثمر أنه فوق النقد أو المساءلة، فالجميع يخضع للقانون، ولكن من الإنصاف أيضًا ألا تتحول حملات التشهير على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أحكام نهائية دون أدلة أو أحكام قضائية.
إن موريتانيا بحاجة إلى المزيد من المستثمرين الذين يغامرون بأموالهم داخل الوطن، ويخلقون فرص العمل، ويدفعون عجلة الاقتصاد، لا إلى بيئة تجعل كل نجاح عرضة للتشكيك والتجريح.
فالنقد حق، والمحاسبة واجب، لكن الإنصاف قيمة لا تقل أهمية عنهما.
إن دعم الاستثمار الوطني، وتشجيع رجال الأعمال الملتزمين بالقانون، هو في النهاية دعم لمستقبل الشباب الموريتاني، وللاقتصاد الوطني، وللدولة نفسها.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم ما يملكه المستثمر فقط، بل بعدد الأسر التي تعيش بكرامة بفضل المؤسسات التي أنشأها، وبالأثر الاقتصادي الذي يتركه في وطنه.





