spot_img

اقرأ أيضا..

شاع في هذا القسم

الحوار المرتقب بين إدارة التوازن و صناعة التحول

مــدار -خالد لبات

ليست قيمة الحوار الوطني في كونه حدثا سياسيا منتظرا بل في كونه لحظة نادرة يفترض أن تراجع فيها الدولة والمجتمع مسلّمات ترسخت مع الزمن … فالحوارات ، في جوهرها ليست لتكرار ما نعرفه بل لاختبار ما اعتدنا عدم مساءلته و موريتانيا وهي تدخل هذا الاستحقاق في ظرفٍ يتّسم بقدر معتبر من الاستقرار تملك ترفا سياسيا لا يتوفر دائما أن تناقش المستقبل من موقع التوازن لا من تحت ضغط الانفجار

أكثر ما يحتاجه النقاش هو الانتقال من توصيف الأوضاع إلى تفكيك آلياتها فالمسألة لم تعد متصلة بوفرة النصوص أو غيابها بل بكيفية اشتغال المؤسسات في الواقع ، لماذا يظل الإحساس العام بأن الإنجاز أبطأ من الإمكان ؟ لماذا تبدو المسافة بين القرار وأثره أطول مما يتوقع المواطن ؟ هذا النوع من الأسئلة لا يحمل نزعة تشكيك بل يعكس حاجة طبيعية لفهم ما إذا كانت بنية الأداء الإداري والعمومي ما تزال تعمل بالمنطق ذاته الذي تأسست عليه قبل سنوات رغم تغير السياقات والرهانات .

الحوار ، إن أراد أن يكون منتجا مدعو للاقتراب من هذه المنطقة الحساسة “فاعلية الدولة” ليس من زاوية النقد السياسي التقليدي بل من زاوية الكفاءة كيف يمكن تبسيط المساطر التي تتراكم عبر الزمن حتى تثقل القرار ؟ كيف يمكن جعل الخدمة العمومية أكثر قابلية للتنبؤ وأقل خضوعا للاجتهاد الفردي ؟ كيف يصبح القياس جزءا من الثقافة المؤسسية بحيث تقاس السرعة والجودة والنتائج كما تقاس النفقات ؟
وفي المجال الاقتصادي ، تبدو الحاجة مماثلة إلى قدر أعلى من الصراحة فالثروات الوطنية مهما بلغت أهميتها لا تترجم تلقائيا إلى ديناميكية إنتاج الفرق بين اقتصاد يتحرك واقتصاد ينتظر يكمن غالبا في التفاصيل غير المرئية من مناخ الأعمال و استقرار للقواعد ، سرعة الإجراءات، ووضوح الرؤية الاستثمارية … والسؤال الذي يستحق أن يطرح بهدوء هو ما إذا كان النموذج الاقتصادي القائم يخلق ما يكفي من القيمة والوظائف ، أو ما إذا كان بحاجة إلى إعادة تموضع تقلص الهشاشة وتوسع قاعدة الإنتاج .

غير أن النقطة الأكثر حساسية تظل متصلة بالتماسك الوطني فالوحدة الوطنية ليست معطى ثابتا ، بل توازن حي يتأثر بالاقتصاد والتعليم وعدالة الفرص بقدر ما يتأثر بالسياسة حين يشعر المواطن بعدالة النفاذ وتكافؤ المسارات ، يترسخ الانتماء تلقائيا وحين تتسع فجوة الإدراك بين الجهد والعائد ، أو بين الطموح والإمكان تتسلل أسئلة القلق إلى المجال الاجتماعي إدارة التنوع في موريتانيا لا تحتاج إلى إعادة تعريف نظري ، بل إلى سياسات تبقي ميزان الثقة متوازنا وتشعر الجميع بأن الدولة إطار جامع لا مجال مفاضلة ضمنية .

إن موريتانيا تمتلك اليوم ميزة نادرة الاستقرار لكن الاستقرار إذا لم يتحول إلى إصلاح عالي الأثر قد يتحول تدريجيا إلى منطقة راحة تؤجل فيها الأسئلة الصعبة و الحوار المرتقب يمكن أن يكون لحظة نضج تاريخي إذا قبلنا أن ننتقل من لغة الطمأنينة إلى لغة الصراحة الفكرية كيف نجعل الدولة أسرع وأكثر قابلية للمحاسبة ؟ كيف نجعل الاقتصاد أقل هشاشة وأكثر إنتاجا؟ كيف نجعل العدالة شعورا يوميا؟ وكيف نجعل الوحدة الوطنية نتيجة للسياسات لا موضوعا للخطب؟

spot_img